منتدى الخواطر والأحاسيس

أدبى ثقافى اجتماعى


    قراءة فى أدب يحى الطاهر عبد الله

    شاطر
    avatar
    toto

    المساهمات : 11
    تاريخ التسجيل : 16/04/2011

    قراءة فى أدب يحى الطاهر عبد الله

    مُساهمة  toto في الثلاثاء أبريل 19, 2011 12:40 am

    قراءة فى أدب يحيي الطاهر عبد الله

    محمود عبد الوهاب

    اهتم النقاد الذين درسوا أدب يحيي الطاهر عبد الله بالكشف عن خصائص أسلوبه الأدبي : ولعه بتقصى العلاقات الخارجية المتشابكة ، والمعقدة بدءا من تأصيل الأنساب ، وتوثيق الأملاك ، وتحديد المواقع الطبقية لشخصياته ، وحتى إثباته سطوة المظاهر المتعددة للقانون الاجتماعي الحاكم ثم كسره للقشرة الخارجية التى صنعتها علاقات القهر الخارجية ، والدخول إلى رؤيا خرافية شاسعة وحارة ، عشقه للعضوى ، والحسى ، والمتجسد شاعريته ، وصلابة لغته واقتصادها الفذ دون ميوعة ، ودون حشو أو تزيد (إدوارد الخراط) .

    قدرته على تصوير حياة شعبنا فى قرية نموذجية من قرى الصعيد تصويراً يكشف من تفاصيل الحياة ، والعمل ، والعواطف ، والمعتقدات ما يمكن أن يكون منجماً لباحث فى علم الاجتماع (د. شكري عياد) .

    تجسيده لعالم يصطخب بشهوات محاصرة متوثبة للتحقق لكن الواقع يعوق تحققها .. فى بناء فني لا تتنافر عناصره : الواقع وتجاوزه ، الإنسان والطبيعة ، الطقس والأسطورة ، الموت والإخصاب. استفادته من المأثور الشعبي للراوي القوال الحكواتي ولجوئه إلى ضرب الأمثولة ، والحكاية ذات المغزى والإحالة إلى الخبرة الشعبية ، والمثل السائر (فاروق عبد القادر) .

    لقد تناولت الدراسات السابقة بعض إبداع يحيي ، وساهمت فى إضاءة ملامح أساسية لأبعاد عالمه الفني لكن هذه القراءة فى أدب يحيي ( وقد صدر المجلد الذى يضم كتاباته الكاملة) تتوقف عند مقولات يحيي فى الحديث الصحفي المنشور فى آخر المجلد : "لقد وضعت فى المجموعة الأولى حيرتي فى البحث عن شكل ولغة ورؤية همي كإنسان ووجدي كرجل منبهر بالثورة ، ويريد أن يخطب بمنهاجها .

    لقد حققت فرحي الخاص بما كتبت .. فرحي النهائي ، والعرس الأخير هو الثورة ، وتحرك الشعب الراقد .

    هذه القراءة تتوقف هنا لتتساءل : فى أى قصص يحيي تجسدت محاولاته مخاطبة القراء بالمنهج الثوري ؟ وكيف أنعكست محاولاته الإسهام بالأدب فى تحريك الشعب على سعيه للغوص فى المنابع التراثية الشعبية لتفهم خصائصه النفسية ، والوجدانية ، وعلى بحثه المستمر عن لغة فنية لا تتخلى عن ضوابطها الجمالية ، ومن ثم لا تتردى إلى التحريض أو الدعوة السافرة ولا تفقد فى نفس الوقت قدرتها على التواصل مع جمهور القراء. باختصار كيف كان يرى يحيي الأديب حقيقة العلاقة بين الأدب والثورة ؟.

    ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالا ، والفلسطيني قصتان فى أدب يحيي استمد الخيوط الخام فيهما من أنسجة الجرح الفلسطيني الغائر وأرى أن نفرغ منهما أولا قبل أن نبدأ رحلتنا فى عالمه الفني بحثاً عن إجابات الأسئلة السابقة.، وأقول نفرغ منهما لأنهما يحدثان حول الأديب بالثورة ما يشبه التشويش إذ تختلط الأصوات ، والمواقع ، وتتداخل الوسائل ، والغايات ، ويشتبك العرضي والآني مع الجوهري والأبدى ، وتنطمس الأهداف أمام الأديب فلا يدرى هل يخاطب فى القارئ قشرة الانفعال الساخنة أم يبحر فى ماء العاطفة الضحل أم يتوغل بعيداً ليضيف إلى الهياكل الراسخة فى وجدانه .

    وقد أحاط الأستاذ إدوار الخراط بعيوب القصة الأولى : الصدور عن قضية عقلية منطقية منذ البداية .. تسلل الميوعة العاطفية. الأصطناع، والتقابل الميكانيكي المقصود سلفاً ، والموضوع وضعاً .. قلقلة التراكيب اللغوية .. سينمائية الاستعارة ، وعجزها عن الإقناع فى صور الحلم الحمراء .

    أما القصة الأخرى فهي ، وإن خلت من بعض هذه العيوب إلا أنها تدور فى نفس الدائرة العاطفية ، وتحاول بلوغ نفس الأهداف : منذ أن يولد الفلسطيني ، وقبل أن تتماسك خطواته الأولى على الطريق ، والطائرة الإسرائيلية تلاحقه : تروعه رضيعاً ، وتروعه طفلا ، وتتربص به حتى إذا صنع طائرته الأولى – اللعبة بادرت بتحطيمها. استبدل يحيي في هذه القصة الاستعارة القرآنية بالاستعارة التوراتية ، ولكن دون أن ينجو من الحس بالاصطناع وأنهى القصة بإطلاق الفلسطينية على السماء ، وهى مبالغة تلخص النزوع الانفعالي الذى صدرت القصة عنه ، والذى تسرب إلى بعض سطورها (ولما حامت الطائرة الكافرة بكل حي .. صرخت الحصاة البيضاء : العدوة .. زفر الجبل ووضع كفه الغليظة على صدره حتى لا ينشق إلى نصفين .. الطائرة التى يجرى خلفها الدخان الأبيض تكره اللعب .. كل اللعب) .

    تعكس هاتان القصتان انفعال يحيي بالفصول الدموية والمأساوية للقضية الفلسطينية لكنه انفعال لم يتجاوز يحيي المواطن العربي إلى يحيي الأديب . ولذا قد تبقى لهاتين القصتين فى أدبه قيمة الوثيقة التاريخية أو المؤشر إلى قراءة همومه وانفعاله بأحداث زمانه لكنهما لن يضافا إلى إبداعه كإنجاز فني .

    لعل أنسب ما نبدأ به رحلتنا فى أدب يحيي للبحث عن وجهه الثوري هو التوقف عند قصة تضمنتها مجموعته القصصية الأولى هى معطف من الجلد .

    قال يحيي عن هذه المجموعة إنه وضع فيها حيرته الكاملة فى البحث عن شكل ولغة ورؤية ، ومن هنا تنبع أهمية هذه القصة فى الإشارة إلى فهمه الناضج، والمبكر لعلاقة الأدب بالثورة يسخر يحيي سخرية هادئة ، وعميقة النبرة تشحب الابتسامة فى ظلالها الحزينة الجادة ، ... يسخر من بعض المنتسبين إلى النضال الثوري : من سطحيتهم ، وتفاؤلهم الساذج وضحالة وعيهم إذ يختزلون الإنسان ففى بعد واحد من أبعاد وجوده هو موقعه بين صفوف الفلاحين أو العمال ويرتبون على ذلك إنتماء طبقيا وولاء جماهيريا وإخلاصا ثوريا لا تشوبه شائبة وبلا حدود.

    تتداعى إلى ذاكرة بطل القصة المناضل ، والمطارد من البوليس خلال محاولاته البحث عن مأوى مؤقت عبارات قالها رفيقه على الدرب : نحن الذين نطعم الجواد ، وتحت الحافر يسقط البشر ، إن العربة (عربة الثورة) لا تسقط مطلقاً فى المنحدر ، ويتذكر أحد هؤلاء الذين يعيشون بعيداً عن مظان الشرطة .. هى علاقة لا ترقى لمستوى الصداقة أو الزمالة لكن ما فيها من ود شاحب يرتفع بها عن جفوة اللقاء بين غريبين ، ولكن هل تحتمل هذه العلاقة الواهنة متاعب استضافته لمدة أسبوع بكل ما يترتب عليها من احتمالات التعرض لبطش الشرطة؟

    نعم تحتمل فالرجل فلاح بكل ما تعنى الكلمة : جسد عملاق ، وصدر أخيلي ووشم أخضر على الصدغ ، وهو من عائلة ريفية ضاربة فى الأرض ، وشهم هكذا وصفه صديقه (المتحمس) الذى عرفه به ، وقد استقبله الرجل الطيب استقبالا حافلا بالترحيب الصادق ، والبهجة .

    لكن الرجل يسكن فى شقة من حجرتين تتسع بالكاد لأسرته الصغيرة ، وهو قد يتحمل عناء استبقاء ضيف لمدة أسبوع (مع أنه ينوء بما يحمل) ، ولكن هل يتحمل احتمال التعرض لعسف السلطة ؟ وإذا استطاع الصبر على مكاره تقع على جسده أو حريته هل يمكنه الصبر على أضرار تصيب أولاده ؟ "صعب والله" .

    وهكذا يخرج البطل ليواصل جولته الخائبة – فى ليل الشتاء – باحثا عن هامش للأمان وقد تدثر بمعطف كان من حسن الحظ إنه صنع خصيصا للمطر .

    كان يحيي يسخر من التسطيح الساذج ، واللجوء إلى القوالب الفكرية الجاهزة تهربا من تجشم عناء الإبداع الفكري والثوري المتسق مع خصوصية البيئة ، والواقع الاقتصادي والاجتماعي ، والسياسي ، والفكري ، والحضاري . نعم يئن الفقراء تحت وطأة الاستغلال الطبقي لكنهم يرزحون تحت سطوة قوانين اجتماعية تستمد شرعيتها من أصول قبائلية عميقة الجذور ، ومن تراكم تاريخي لمؤثرات بيئة زراعية نهرية تقدس الرجل ، وتقنن الاستبداد ، ومن تراث ثقافي تختلط فيه الخرافة بالأسطورة .

    نوال الطفلة ما أن ينبت على عودها نهدا المراهقة ، وتنتبه ينابيع الشهوة الغافية .. ما أن تبدأ فى تلمس أسرار الجسد الآخذ فى النمو حتى تنقض على جسدها العاري المعلق من العرقوبين سياط الجد الإله ، والرجل الطاغية .

    لقد تاجاسرت الطفلة واشرأبت عيناها خارج الهياكل الاجتماعية الراسخة : (جبل الشاي الأخضر) .

    ومريم الصغيرة ما أن يتفتح فى وجودها الجسد والوعي حتى تجتاحها الأعاصير : الأم حارسة التقاليد ، والمسئولة عن كفالة الراحة لجسد الأب المفتول تخطط للثأر ، ولأن سعيدا أبن أختها يساعدها فى الحصول على السلاح أداة الثأر لذا ستهبه مريم الجميلة هو من تصفه الأم بالأبله الخام ، وتصفه مريم بالعبيط ، والوسخ ، ولكنه سيصبح السيد ، وله الكلمة .. لأنه رجل يملك سلاحا .

    فى هذا الحصار لا يبقى لمريم إلا صالح الأخ ورفيق الطفولة ، والصبا لكن صالحا تهدده دورة الثأر المتعاقبة ، وبذلك تكتمل الدائرة الحديدية الخانقة. تعيش مريم مع أمها وأخيها فى بيت كبير واسع ، وموحش ، ومثير للضجر ، ومعزول عن بيوت القرية ، وفى هذا البيت تتطلع مريم للأنس وللحب فلا تجد إلا إيقاعات الدف الجنائزية ، وقضبان الصندوق (بيت الزوج المفروض عليها) .

    إن اشتهاء مريم لأخيها فى هذا السياق ليس انسياقا وراء المتعة المحرمة ، ولكنه التجسيد الفني العميق الأثر والدلالة لوطأة الخواء الجاثم حول لهفة الجسد الظامئ للري ، وللحياة. (الدف والصندوق) .

    إن الجماهير ليس كتلة واحدة ينتمي أفرادها جميعاً بالمولد ، والبيئة ، وبؤس الواقع ، والوعي إلى طبقة ، إذ تتباين مستويات الوعي ، ودرجات الرقى الحضاري فى صفوفها فتتباين مستويات الانتماء من الأسرة إلى العائلة أو القبيلة ، ومن القرية إلى الإقليم ، وعلى المناضل إن يرقى بهذه المستويات عبر درجاتها المتباينة من المستوى الأدنى إلى المستويات الأعلى ، والأشمل لكنه فى كل الأحوال لن يجد فرداً بلا انتماء لجماعة ما .

    إن الانتماء لجماعة هو البعد الغائب الحاضر فى كيان كل فرد .

    لقد ولد محبوب ، وفى تكوينه الجسدي ما يفصله عن أهل قريته جميعاً : قصيراً جداً ، ونحيلا جداً وأبيض شعر الرأس ، والحاجبين والرموش ، وغير قادر على مواجهة الشمس. يعانى محبوب من سخرية أهل القرية ، ولذا ما أن تغيب الشمس عن قريتهم لأيام متوالية حتى ينطلق فى الشوارع آمنا ، وشامتا. لكن محبوب سرعان ما يسأم حرية التجول فى شوارع القرية الخالية .

    لقد ران الحزن على أبيه وأمه ، وأعترى الفتور علاقته بأهل القرية .

    لقد انكمش لوز القطن على العيدان وراح يذوي ، وفقد الناس رغبتهم فى السهر ، والكلام والمشاكسة .

    إن محبوب ، وهو عدو الشمس بتكوينه الجسدي صار يحلم – مع الناس – بانقشاع الضباب الأسود الكريه ، وعودة الشمس .

    إن حياته موصولة بأهل القرية .. بزيطة المصاطب وسهرات القمر ، وحركة الشوارع ، والحقول (محبوب الشمس) .

    إن أقسى عقاب تعزله جماعة يفرد منها هو حرمانه ن الانتماء إليها : يلوط صبي صبيا فى حديقة فاكهة ، وعندما يفتضح أمرهما يندفع الأب الفقير فى سورة غضبه ودفاعه عن شرفه المثلوم فيقتل ابنه ويبقى للأب الفقير الثاني أن يختار بين قتل ابنه أو رحيله فى البلاد نهائيا ، وتدور الهواجس الحزينة فى عقل الأب (سيعيش ابني غريبا ويموت غريبا تماماً كالغجر الرحل عديمي الشرف سارقي الدجاج) لكنه يذعن مستسلما لحكم الرجال فالعاقل لا يعارك بلداً (الرقصة المباحة) وكما يعني الانتماء إلى جماعة الأمن والصحة النفسية والاستواء يعنى سقوط الانتماء بداية الفساد والشر بل يعني انهيار الإنسان وانطلاق الوحش : وقف المطرود من أهله وتفل على الأهل القساة ثم أوغل بعيداً عن البيوت ، حين استبد به الجوع ، والعطش ذبح قطته الوفية التى تبعته ثم أكل صغارها الذين ولدتهم ثم تربص لعابري السبيل يقتلهم ويشرب دماءهم ويلتهم لحومهم نيئة ، ومشوية (الغول) .

    ولعل طموح يحيي الذى سخر من أجله كل طاقاته الروحية ، ومواهبه وذكاء بصيرته ودقة حسه المرهف هو أن يتمكن بفنه من ترقية الحس بالانتماء عند القارئ العربي حتى يبلغ مستوى الولاء العميق للقاعدة العريضة من جماهير البسطاء : الذين يتماكرون ، ويتحايلون للحصول على فتات الخبز ، وفتات المسرة، وهامش الأمان (الحقائق القديمة ) ، والذين يستعيضون عن متعة الأكل بمتعة الاشتهاء لأن الاشتهاء حرية وإن تكن منقوصة فهى مأمونة (إشكال) ، والذين تحبط أحلامهم فى الحب والزواج. إذ يعجزون عن تدبير مهر المحبوبة الجميلة الفقيرة فينقشون على جلودهم بأبرة الغجرية صورة الحلم المستحيل (الوشم) ، والذين يضطرون للإذعان لأمر السيد حتى لو كان يعنى مواجهة خطر السقوط من شاهق النخلة العالية مجندلين بضربة الإعصار (العالية) .

    لكن الولاء للجماهير يظل عاطفيا وأخلاقيا حتى يتحول إلى قيمة نضالية ضد القوى الاجتماعية التى تقمع تطلع الجماهير للخلاص من بؤسها اليومي .. تلك القوى التى استبدلت عبادة المال بالله والوطن والشرف : كان الشيخ الفاضل جديراً بأسمه فهو من يقرأ رسالة الأبن الغائب ، ويرد عليها ، وهو الذى يشترى الأكفان البيضاء لتلف الميت الفقير ، وهو الذى يدفع أجر قارئ القرآن على روحه، وهو من يعين (حزينة) على الحصول بأمر المحكمة على حق ابنتها فى الميراث ، وهو أخيراً من يقف فوق منبر الجامع رافعاً سيفه الخشبي محذراً الناس عاقبة التخلي عن مكارم الأخلاق .

    لكن الشيخ الفاضل الذى يملك الكثير من الأراضي ، والكروم ، والخيول ، والجاموس ، والحمير والأبقار تتخلى عنه فضيلته ، وحكمته ونبله حين ينتهك ابنه – ربيب العز والمدارس – عرض نبويه الفقيرة .

    لقد جللتها الفضيحة واقتربت من عنقها السكين بينما وقف عاجزاً لا تتمكن يده – المغلولة بالقيود الذهبية – من التقدم لإنقاذها .

    لقد تهشمت قشرة الفضيلة الواهنة إذ أصطدمت بحصون الملكية وأسوار الواقع الطبقي (الطوق والأسورة) .

    وكما تنكمش هوامش التقوى عند الشيخ الفاضل لتكشف عن قلبه الصخري تنداح عن روح الجد صبواته الصوفية كما ينداح الزبد الذى يذهب جفاء لينبض قلبه للذهب وحده .

    إن إحسانه على الفقراء هو سياج الحفاظ على المال والجاه اللذين ورثهما من الجدود ، روعه ، وتقواه هما سبيله للقاء نبي الله الخضر الذى يملك وحده مفاتيح كنوز الأرض المطمورة فى باطن الأرض (الجد حسن) .

    وهكذا تتضح الحدود الصارمة بين المطوقين بالحديد ، والمطوقين بالذهب، وتنكشف محاولات الفقراء الفردية لعبور الهوة الفاصلة بينهما عن فشل ذريع يتساوى فى هذا المصير الناس ، والكلاب .

    لقد ولد الكلب محظوظ فى كوخ بإحدى القرى فوجد نفسه واحدا من عائلة البلدي التى تشغل أدنى مستويات السلم فى دنيا الكلاب. أحب محظوظ الكلبة المدللة لولو التى تعيش فى فيلا بالمدينة. حاول محظوظ عبور الأسوار العالية التى تفصله عنها فعمل فى السيرك مهرجاً ثم لاعبا ثم نجماً مشهوراً وتحقق الأمل وتزوج حبيبته ، ولكن ما أوهى الجسور التى بناها وما أرق الحواجز التى تفصله عن الماضي الذى لا يكف عن مطاردته. (قصة على لسان كلب) .

    ظل يحيي فى روايته الطوق والأسورة ، وفى مجموعاته ثلاث شجرات ، والدف ، والصندوق ، وأنا ، وهى وزهور العالم ، وفى قصته الطويلة حكاية على لسان كلب – ظل يكتب فى إطار الشكل القصصي والروائي الذى أبدعته وأصلته فى الأدب العربي أجيال من الأدباء العرب ، والذى استوحت نماذجه الأولى أسرار التكوين الدرامي والجمالي من القصة الأوروبية والرواية الأوروبية .

    نعم كان يحيي متميزاً إلى حد التفرد فى قدرته على الاتحاد الحميم بأهل قريته ، والتوغل ببصيرة ثاقبة فى نفوسهم بدءا من أرق أوتار الحب ، والحزن ، والشجن ، وحتى أدق الهواجس المضمرة ، والرغبات المكتومة ، والشهوات المكبوحة ، وكان قادراً على تطوير الشكل الفني للقصة أو الرواية بحيث ترقى إلى مستوى تجسيد عالمه الفني ، وبحيث يتناسب الشكل مع خصوصية البيئة والإنسان ، والتاريخ ، والموروث ، الثقافي .. إلخ لكنه فى محاولات التطوير كان يضيف بجهده الخلاق مساحة جديدة لنفس الأرض .

    كان يحيي يعزف ألحانه بأصالة واقتدار يحدوه الطموح فى أن يتعرف الشعب فيها على ذاته ، وعلى واقعه لكنه اكتشف أنه لا يخاطب بها إلا تجمعات ضئيلة من مثقفي المدن لأنه كان يعتقد إن مخاطبة المثقفين مسألة لا وزن لها لذا فقد كان يؤرقه سؤال : كيف يتجاوز تلك الدائرة الصغيرة ، ويصل إلى جماهير أمته ؟ وما جدوى أن يكتب لجماهير الأمة ليقرأه المثقفون فقط ، وتبقى الجماهير داخل أسوار الأمية منفية ، ومغتربة ، ومستلبة ؟ .

    لكن يحيي يكتشف أن ما يفصله عن الجماهير ليس حاجز الأمية وحده إذ لو أمكنه إلغاء هذا الحاجز بقراءة قصصه. استعادتها من الذاكرة – أمامهم فلن تصل إليهم. ستظل الجماهير بعيدة ليس فقط عن أبعادها الدرامية أو الجمالية بل بعيدة عن مجرد القدرة على متابعة الاستماع. هذه قصص يقرأها المثقفون لأنها كتبت لهم ولأنها تخاطب فيهم خبرة التلقى والاستجابة ، وحساسية تذوق جماليات البلاغة الفنية المعاصرة هذه قصص لا تلمس أوتار التذوق الفنى عند الجماهير . أي فنون الكلام تستهوى الجماهير إذن؟ تستهويها قصص ألف ليلة وليلة ، والسير الشعبية (الهلالية والأميرة ذات الهمة – على الزيبق – حمزه البهلوان) وحكايات الخيال الشعبي عن السيرة النبوية ، وخوارق الأولياء .. إلخ .

    ويعكف يحيي على دراسة هذه الفنون للتعرف على أساليب الراوي الشعبي فى الحكي والرواية وإثارة الخيال وخلق السحر الناجم عن الانطلاق الحر فى عوالم تحت الأرض وأسفل البحار يسكنها الجن المؤمن ، والجن الكافر ، وتحرك أحداثها أساليب السحر الطيب ، والسحر الشرير ، ويتحول فيها البشر إلى حيوانات أو طيور ، ويمشى فيها الأولياء فوق الماء أو يجتازون شاسع المسافات فى لمح البصر .، ويدرس يحيي طريقة الراوي الشعبي فى تطعيم حكايات الخيالية الساحرة بجواهر الحكمة وعيون الأمثال وألوان العبر .

    فى هذه الفنون كان الراوي يواجه جمهوره ( لا يتوارى عنه أو يتخفي) لكنه لا يقف على منبر الواعظ ولا يعتلى دكه شيخ الكتاب المعلم بإلحاح التكرار وهيبة العصا .

    إنه يجلس بين جمهوره يسامره ، ويسليه وينعش خياله ويروى ظمأه للمعرفة ، ويبقى على جذوة انبهاره بالبطولة ، والشجاعة والنبل ، ويعمق إيمانه بقيم التصدى للظلم ، وإنصاف المظلوم وإقرار العدل .، وفى هذه الفنون يتحرر من قيود المنطق أو المعقولية ، ولا يتحرج من الخروج من حكاية إلى حكاية أخرى أو بناء الحكاية عبر سلسلة من المصادفات ، ولكي تكتمل لحديثه روح المسامرة ذات الحس الفكه قد يتجاوز أحيانا عما اصطلح الأدب الرسمي على اعتباره نابياً أو بذيئاً أو فاحشاً .

    ويتمثل يحيي روح الراوي الشعبي ويستلهم أساليبه ، ويتشرب قدراته على مسامرة جمهوره – وأميره – وتسليته وإنعاش خياله ، وتعليمه وتثقيفه وأضاءة وعيه : ويحتشد يحيي لإبداع أشكال من القصص لا تنتمي أصولها البعيدة للقصة الأوروبية ولكنها تنتسب للتراث الثقافي الشعبي العربي .

    ويصبح التحدي الفنى أمام محاولة اختزاق طبقات الظلام المتراكم فى وعى الجمهور بشعاع ثاقب من الأدب هو هل يستوعب هذا الشكل الفنى المثقل بالخوارق، وألوان السحر حقائق العصر ومعارفه ؟ ألا تتنافر عناصر العمل الفني ؟ ألا ينصرف عنه جمهوره إذا اكتشف خلف عباءة الراوي ملابس الرجل العصري ؟

    وهل تتحول قصته مرة أخرى إلى طرفه أدبيه يلغط حولها المثقفون على مقاهى العاصمة ؟ .

    كانت هذه المحاذير هى أبعاد التحدي الفني الذى تصدى له يحيي حين أبدع مجموعته حكايات الأمير ، وبعض قصص مجموعة الرقصة المباحة وروايتيه تصاوير من الماء ، والتراب ، والشمس ، والحقائق القديمة .

    فى حكايات الأمير يقص يحيي من الحكايات ما يبدو للوهلة الأولى ، وكأن ما دفعه لاختيارها بالذات هو طرافتها أو ما تتضمنه من تصرف شاذ أو مفارقة مضحكة أو ما تدل عليه من فساد بعض المعتقدات الشعبية أو كيد النساء أو ما تكتشف عنه من أساليب العامة فى التماكر ، والتخابث .. إلخ .

    يحار القارئ الباحث عن دلالة عامة ذات طابع محلي أو إنساني خلف هذه الحكايات . [ باستثناء حكاية ميلودرامية الذي يسخر فيها من زمان الانفتاح : قياداته ورموزه ، وشعاراته] .

    لقد كان يبدع حكاياته المنسوجة من الخيال الحر ، والطرافة الشعبية كى يطعمها – مثل الراوي الشعبي – بكل ما ينقل إلى القارئ – أو المستمع – الملامح العامة لرؤيته الفنية .

    فى حكاية من الزرقة الداكنة قال الكونت شاذ الطبع لستة من الرجال أختارهم لمعاونته "سأبذر فى نفوسكم المتباعدة روح الجماعة التى ترفض أن تغلب" وفى حكاية صيف يكتشف القرين الجاثم على الأرض بالقوة وسطوة المال أن حصونه المنيعة لن تعصمه من هجمة الفلاح المناضل لاسترداد الأرض .. إذا قد تنتشر حركة المقاومة حتى تبلغ مخدعه ، وحينئذ تتخفى فى ثياب خادمه الذي يحمل له قلة الماء ، وصينية الطعام .

    وفى حكاية عبد الحليم أفندي يرصد يحيي بذكاء كيف يتسرب الفساد إلى القيادات الجديدة التى لم تكد ترفع راية الثورة .

    لقد طردت الإنجليز لكنها أخذت امتيازات مواقعهم : تأخذ زوجة كبير ضباط المطار تموين بيتها من مطبخ المطار ، ويعمل فى بيتها عماله ، ومقابل هذه الخدمات يتضخم حجم عبد الحليم كبير الطباخين حتى تصبح له الكلمة المسموعة والرجاء المجاب حتى لو كان الرجاء هو الإفراج عن الخطاف ، والعفو عن النتاش .

    وفى حكايتي الريفية وأم دليلة طاهية الموت صورتان لفشل محاولات العبور الفردية فوق الهوة الفاصلة بين الطبقات .

    وفى حكاية بزخارف يكشف يحيي للقارئ كيف تتعدد الأجهزة وتتنوع مهمتها بين وضع القوانين أو تطبيقها أو ردع الخارجين عليها ، ولكنها تعمل جميعا لحساب طبقة حاكمة .

    وفى قفص لكل الطيور يوقظ يحيي قارئه على حقيقة مخجلة : كلنا تحت القلعة – قضاة ورعية – الضعاف المنخورون المرتعدون من برودة الخشية (من السلطان) التى نحن فيها منقوعون .

    وفى هكذا تكلم الفران عودة إلى حقيقة قديمة لكنها ما تزال صالحة لإثارة الدهشة : كل منا فى مكانه يخدم الآخر .. أنت تعمل للغير والغير يعمل من أجلك.

    وفى روايتيه الحقائق القديمة ، وتصاوير يصوغ يحيي شخصية إسكافي المودة من ملامح آلاف الرجال المثقلين بهم تدبير قوتهم اليومي المحشورين فى حجرات ضيقة يعاركون – على لمبة الجاز – الفأر القارض ، ويفعصون البرغوثة مصاصة الدم ، ويلمون القمل من ثيابهم .. يعيشون فى دروب ضيقة ، وموحلة ، وحافلة بالكلاب ، والذباب وأكوام السباخ ، لا يعرفون من الحكام إلا الشرطي ، ولا يدخلون من دور الحكومة إلا المخافر أو السجون لا يقرأوا ولا يكتبوا ولا يحملوا الساعات ، ولا يعنيهم من المعارك الانتخابية إلا الحصول على القماش المكتوب عليه لافتات الدعاية. لكنهم يتحايلون على بؤسهم اليومي بشتى السبل : بالسفر أحياناً إلى خارج الحدود ، وبالسرقة أحياناً حتى لو كانت طيور الأرملة أو أكفان الموتى ، وبالحلم أحياناً أن يجدوا بعض أشياء غالية ضاعت من أصحابها ، وبتعاطي المخدرات أو شرب الخمور فى كل الأحيان .

    من بؤس هذه الجموع يخرج إسكافي المودة حاملا معه حرص الرجل الصغير على كف اللسان خوفاً من عاقبة الكلام ، ومهاراته فى التخلص من بطش الأقوياء بالمسايرة والملاينة والنفاق والقدرة على اقتناص الفتات المتساقط من ذعر الصغار أو تشاحن الكبار .

    لكن الإسكافي يحمل مع كل هذه الصفات قدراً كبيراً من الذكاء ودقة الملاحظة وثراء الخبرة بالحياة ، والناس ، وحساً بالسخرية مر الطعم وقدرة على الخيال تمكنه من إحكام الألاعيب الصغيرة ، ومهارة خاصة. بل واقتدر على التحاور ، والحكى وسبك الكلام .

    بكل هذه الصفات كان الإسكافي مؤهلاً لأن يحمل للناس فكر يحيي وحكمته، وملاحظاته النقدية : العالي فى العالي يرانا من شباكه دود الأرض فوق التراب, الكبار مع الكبار والصغار مع الصغار فى لعبة الغالب والمغلوب. المال يشترى الأرض وذمم الأعيان ، والغني لما يعض يد صاحبه تقوم القيامة. أكبر اللصوص هم حكام أي بلد فيها لصوص ، وسرقة حياة الناس هى أكبر السرقات ، صاحب المال بغير دين ، وبغير وطن وإن تكلم بالدين وملك الأوطان .. إلخ .

    بكل هذه الصفات كان الإسكافي منبراً شعبياً يسامر منه يحيي جمهوره ، ويسليه ، ويسرى عنه ، ويكشف له فى نفس الوقت أسرار اللعبة الاجتماعية الاقتصادية السياسية التى تدور فيتحرك القارب ، والصياد ، والحمال والحوذي ، والعربة ، والبغل والدركى ، والقاضي ، وقلم الكتابة وريشة الرسام .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 19, 2017 2:47 pm